- كل المقالات
- لماذا يُخطئ الذكاء الاصطناعيّ في الخطّ العربيّ
لماذا يُخطئ الذكاء الاصطناعيّ في الخطّ العربيّ
نموذجٌ واحد يقرأ الخطَّ اليدويَّ العربيَّ بنسبة خطأٍ أقلّ من 1%، وأفضلُ نتيجةٍ في الخطّ الكلاسيكيّ 45%. بحثتُ عن البيانات الناقصة التي تفسّر هذه الفجوة، فوجدتُ عكس ما توقّعت. خطٌّ دُوّنت قواعده في القرن العاشر، ثمّ دُوّنت ثانيةً في برمجيّةٍ في الثمانينيّات.
اكتب سطرًا عربيًّا في أيٍّ من مولّدات الخطّ، يعُد إليك بشيءٍ له سَمْتُ الخطّ ولا مضمون فيه. للضربات ثِقَلها، والتركيبُ يتراكب تراكُبَ الثلث. ومن لم يقرأ كلمةً عربيّةً قطّ يقبله دون نظرةٍ ثانية، وهو تحديدًا الجمهور الذي بُني له.
أمّا القارئ العربيّ فيراه في أقلّ من ثانية. حروفٌ كان ينبغي أن تتّصل واقفةً منفصلة. وهاءٌ أخذت صورتها الابتدائيّة في وسط الكلمة. ونَقْطٌ زاغ عن حروفه واستقرّ حيث بدت الكثافةُ مستحسنة. وليس هذا خطًّا رديئًا. فالخطّ الرديء شيءٌ يُخرجه المبتدئ، وهو مقروء. هذا ضجيجٌ على هيئة خطّ.
وأردتُ أن أعرف السبب. أنا أبني البرمجيّات كسبًا للعيش. وقضيتُ من السنين ما يكفي وأنا أخفق في كتابة ألفٍ مقبولة، حتى عرفتُ على وجه التقريب ما تطلبه هذه الصنعة. وهما اهتمامان غريبٌ اجتماعُهما، نافعٌ في هذه المسألة بعينها. وما يلي هو ما وجدتُه حين بحثتُ، بما في ذلك الموضعُ الذي تبيّن فيه أنّ التفسير الذي افترضتُه خاطئ.
ليس لقلّة البيانات
كان افتراضي الأوّل هو البديهيّ: العربيّة شحيحةُ الموارد، والنماذج ستلحق. وقد كان ذلك صحيحًا زمنًا طويلًا. ثمّ لم يعد، والأرقام اليوم تقول شيئًا أغرب.
فـQalam نموذجٌ بصريٌّ يرمّز الصورة ويفكّ منها النصّ، دُرّب على أربعة ملايين ونصف من صور المخطوطات. وهو يقرأ الخطَّ اليدويَّ العربيّ بخطأ كلمةٍ مقداره 0.80%. وQARI-OCR صقلٌ لنموذج Qwen2-VL ذي المِليارَي مُعامِل، يقرأ المطبوعَ العربيَّ الغنيَّ بالتشكيل بخطأ محارفَ مقداره 6.1% — بالتشكيل، وهو الجزء الصعب. وكلاهما مفتوح، وكلاهما يعمل على عتادٍ تملكه.
وثلاثةُ أرقامٍ تتكرّر فيما يأتي، فلنثبّتها الآن. خطأُ الكلمة نسبةُ ما يخطئ فيه النظام من الكلمات؛ وخطأُ المحارف نسبةُ ما يخطئ فيه من الحروف، وهو أرفقُ، إذ قد تخطئ الكلمةُ بحرفٍ واحد. أمّا المطابقةُ التامّة فهي الصارمة: نسبةُ الصور التي نُسخت من غير خطأٍ البتّة.
ثمّ بنى أحدهم معيارًا للخطّ خاصّة. صدر DuwatBench في كانون الثاني، من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعيّ: 1272 عيّنة في الثلث والديوانيّ والكوفيّ والنسخ والرقعة والتعليق، مع النصوص والأنماط وأطر التحديد. ووُجِّه إليه ثلاثة عشر نموذجًا، مفتوحةً ومغلقة، عامّةً وعربيّةَ الاختصاص.
وأفضلُ النتائج جميعًا لـ Gemini 2.5 Flash، بخطأ كلمةٍ 45% ومطابقةٍ تامّة 42%. وفي النماذج الثلاثة عشر المختبَرة تمتدّ المطابقةُ التامّة من الصفر إلى تلك الـ42%، ومتوسّطها 17.9%. أمّا النماذج المفتوحة فأسوأ على نحوٍ تكاد قراءته تُضحك. يستجيب أحدها للصعوبة بأن يكرّر لفظ الجلالة مرّةً بعد مرّة. وقد تعلّم بحقٍّ أنّ هذا رهانٌ رابح في الخطّ العربيّ، ولم يتعلّم عن الصورة التي أمامه شيئًا سواه.
فنظامٌ بُني للمخطوطات العربيّة يقرؤها بخطأ كلمةٍ أقلّ من 1%. وأفضلُ نتيجةٍ على لوحةٍ خطّيّةٍ 45%. وليس هذا نماذجَ عامّةً تُسأل ما ليس من شأنها. فاثنان من الثلاثة عشر عربيّا الاختصاص، وكلاهما في ذيل القائمة: يردّ نموذجُ TrOCR للكتابة اليدويّة العربيّة من Microsoft خطأ كلمةٍ 99.98% ولا مطابقةً تامّةً واحدة في المعيار كلّه. نموذجٌ بُني للكتابة اليدويّة العربيّة، أُعطي كتابةً يدويّةً عربيّة، فلم يقرأ شيئًا يُذكر.
وكنتُ أتوقّع أن يكون التوزيع على الأنماط منحدرًا نظيفًا: تسهُل البسيطة وتصعُب المزخرفة. وليس كذلك، ووجهُ مخالفته أهمُّ ما في البحث.
وكونُ الكوفيّ أصعبَها ليس بديهيًّا. فهو أشدُّ الستّة هندسةً، وأقربُها إلى ما يمكن وصفه بشبكة، ومع ذلك يهزم الجميع، ولعلّ السبب أنّ تلك الهندسة نفسها تنزع عنه الفائضَ الذي يتّكئ عليه القارئ عادةً.
أمّا نتيجةُ الثلث فلا أحسبها نتيجةَ قراءةٍ أصلًا. فالثلثُ 55% من هذا المعيار، والمدوّنةُ 44% منها قرآنيّ. فالنموذجُ الذي يملك معرفةً لغويّةً قويّةً يكون قد حفظ منه شيئًا كثيرًا، وحزْرُ البسملة ليس هو مهارةَ قراءتها. ويبدو هذا أوّلَ الأمر معارِضًا لخلاصة البحث نفسها، إذ تقول إنّ النسخ والرقعة أدقُّ الأنماط تعرُّفًا. وليس بمعارِض. فذاك صحيحٌ في النماذج الثلاثة عشر مجتمعةً، والفقرةُ نفسها تذكر على حدةٍ أنّ الثلث والديوانيّ يرتفعان ارتفاعًا كبيرًا عند النماذج المغلقة خاصّة. وعمودُ Gemini هو النصف الثاني من تلك الجملة.
ولا لقلّة الحجم
والخطوة المريحة التالية أن تقول إنّها ما تزال مشكلة بيانات، غير أنّها أكبر. وقد أراح بحثٌ صدر في حزيران هذا الظنّ.
أجرت سناء العزّاوي وإليزا بارني وماركوس ليويتسكي تجربةً بنموذجٍ واحدٍ على تسع مجموعاتٍ من الكتابة اليدويّة — عربيّة وأرديّة وفارسيّة وإنجليزيّة وألمانيّة — ثبّتوا فيها البنية وغيّروا الخطَّ وحجمَ بيانات التدريب وحدهما. فكان فارقُ الخطّ العربيّ أكبر ما يكون عند شحّ البيانات، ثمّ تضيق باتّساعها، ثمّ تكفّ عن الضيق عند خمس إلى سبع نقاطٍ من خطأ المحارف. وتنظيفُ التوصيفات ينفع ولا يُغلقها.
وتشخيصُهم هو ما تلحظه بعد عشر دقائق من إمساك القلم. نحو 30% من أخطاء الإبدال على بيانات الخطّ العربيّ التباسٌ بين حروفٍ متشابهة بصريًّا، مقابل نحو 15% في اللاتينيّة. فثمّة مجموعةٌ من خمسة حروفٍ في هذه الأبجديّة لا يفرّق بينها إلّا النَّقْط. وهي مفردةً تتفاوت قليلًا؛ أمّا في وسط الكلمة فتنطبق على الضربة نفسها، ولا يبقى غيرُ النقط. في الأبجديّة اللاتينيّة يحمل رسمُ الحرف هُويّته وتكون العلامةُ معدِّلًا له. أمّا هنا فالعلامةُ هي الهُويّة، راكبةً على ضربةٍ لا تعني بنفسها شيئًا.
ثمّ ضع ذلك في تركيبٍ ثُلُثيّ، حيث ينقل الخطّاط النقطَ عن حروفها موازنةً للكتلة. وهي حركةٌ يُجيزها التراث ويتوقّعها القارئ، يفكّها كلُّ مدرَّبٍ بلا جهد، لأنّه يقرأ الكلمة لا الرسم. أمّا النموذج فيقرأ الرسوم. وما قرأ يومًا سواها.
وإن أردتَ الرقم الذي لا يُحتجّ بعده، فانظر في العجميّة، رسومِ الخطّ العربيّ في غرب أفريقيا. فقد نُشرت في وقائع ICDAR 2025 أوّلُ مجموعة بياناتٍ لمخطوطات الفُلفُلديّة والهَوْسا. وقد أجرى أصحابُها طائفةً من نماذج التعرّف على الخطّ العربيّ المبنيّة للمخطوطات التاريخيّة عليها، فأبلغوا عن خطأ محارفَ بين 65% و84%. لا خطأ كلمة — بل خطأ محارف، وهو أرفقُ المقياسين. أي إنّ خمسةً من كلّ ستّة حروفٍ تخرج خطأً في أسوأ الأحوال. وهذه نماذجُ بُنيت لهذا الصنف من المادّة بعينه. ويتبيّن أنّ «الذكاء الاصطناعيّ العربيّ» يعني شريحةً ضيّقةً من العربيّة.
ما الذي يفعله الخطّ
وعند هذا الحدّ تركتُ أوراق المعايير ورجعتُ إلى الخطّ نفسه، لأنّ الأخطاء بدأت تبدو بنيويّةً لا إحصائيّة.
ليست العربيّة مجموعةَ رسومٍ يُستبدل بعضها ببعضٍ واحدًا بواحد. فالحرف يأخذ صورةً مختلفةً بحسب موضعه من الكلمة: مبتدئًا أو متوسّطًا أو متطرّفًا أو منفردًا. وستّة حروفٍ — ا د ذ ر ز و — تأبى أن تتّصل بما بعدها، فتنكسر الكلمةُ الواحدة إلى عدّة وصلات. وأزواجٌ بعينها تنصهر في تراكيبَ ليست هذا الحرف ولا ذاك. وفي الأنماط الكلاسيكيّة يكفّ السطرُ نفسه عن الأفقيّة: فالديوانيّ ينساب، والثلث يركّب الكلمات رأسيًّا في كتلة، وموضعُ الكلمة قرارٌ تركيبيّ يتّخذه إنسانٌ يزن اللوحة كلّها.
وليس شيءٌ من ذلك زخرفةً فوق الحروف. هو الحروفُ نفسها. للخطّ قواعد، والقواعدُ هي الفنّ.
وليس على السطر أن يكون سطرًا. فالديوانيّ، قلمُ الدواوين العثمانيّة، يحشد كلماته في انسياحةٍ صاعدة ويغلق ما بينها حتى تُقرأ الكتلةُ كتلةً واحدة. وأصلُ ذلك يُفسَّر تقليديًّا بالاحتراز الأمنيّ: فالنصُّ الذي لا فُرجة بين كلماته نصٌّ لا يستطيع أحدٌ أن يدسّ فيه بندًا.
والتعليق يذهب في الجهة الأخرى، وهو ما يسمّيه الفرس والأتراك «نستعليق». والاسمُ منحوتٌ من «نسخ» و«تعليق»، والتعليقُ من التعلُّق، وهو ما يصنعه: تتعلّق الكلماتُ بعضها ببعضٍ وتنحدر مع جري السطر، فيتتبّع القارئ قُطرًا لا سطرًا. ومحرّكُ صفٍّ يفترض أنّ النصّ يجلس على أفقٍ مستقيم قد خسر المعركة قبل أن يبدأ.
والنموذج المدرَّب على صور خطٍّ منجَز يُطلب إليه أن يستخرج تلك القواعد من رواسبها. يرى أين حطّ الحبر. ولا يرى قطّ القاعدةَ التي أنزلته، ولا زاوية القلم، ولا ترتيبَ الضربات، ولا أنّ الخطّاط نقل تلك النقطة عن قصد. فإذا أُعطي أمثلةً كافية تعلّم نسيجَ الرواسب، وهو بالضبط ما يُخرجه بعد ذلك.
القواعد كانت مكتوبةً سلفًا
وهنا توقّعتُ أن أجد الثغرة — غموضًا ما في التراث، أو علمًا أرقَّ من أن يُقيَّد بالكتابة — فوجدتُ ما يقارب نقيضه.
فالنسبُ ليست ذوقًا يتوارثه الناس هكذا. هي نظامُ نسبٍ صيغ قبل أكثر من ألف سنة باسم الخطّ المنسوب، ويُنسب في المشهور إلى الوزير الخطّاط ابن مقلة (ت 328هـ/940م). وله ثلاثُ وحدات.
وهذا النظام هو الذي يجعل القارئ المدرَّب ينظر إلى حرفٍ فيقول إنّه غلط لا إنّه غريبٌ عليه فحسب: فثمّة رقمٌ لم يبلغه. ويُنسب إلى ابن مقلة تقنينُ الأقلام الستّة على الأساس نفسه، ثمّ هذّب النظامَ من بعده ابنُ البوّاب (ت 413هـ) وياقوتُ المستعصميّ. فقبل أن يكتب أحدٌ محرّك خطوطٍ بألف سنة، كان لهذا الخطّ مواصفةٌ مكتوبة.
ولم تقف المواصفة عند الحرف. فقد كانت تخطيطاتُ صفحاتٍ بأكملها صورًا ثابتةً أيضًا، يعيدها الخطّاطون جيلًا بعد جيلٍ على الخطّة نفسها.
ذلك هو القرن العاشر. أمّا الصيغة الحديثة فهي التي أعادت تأطير المسألة عندي حقًّا.
تأسّست DecoType سنة 1985 على يد بيتر سومرز وميريام سومرز وتوماس ميلو — «مصمّمو الطباعة بمعونة الحاسوب». وما بنوه لم يكن مجموعةَ رسوم، بل خطًّا يعرف قواعد الكتابة ويطبّقها: فرقعتُهم أوّلُ خطٍّ عربيٍّ رقميٍّ ديناميٍّ من نوعه، وبحلول أوائل التسعينيّات صار يُدرَج ضمن Microsoft Office. وقد وصلت عائلتا DecoType Naskh وDecoType Thuluth إلى جيلٍ كاملٍ من مستخدمي Office تحت وسم «نسخة MS Office»، برُخصٍ مؤرَّخةٍ بين 1992 و1998. أمّا هل تحملها الإصداراتُ الحاليّة فلم أستطع إثباته.
وتحت ذلك كان ACE، أي محرّك الخطّ العربيّ، بُني أوّلًا للرقعة ثمّ امتدّ إلى تحليلٍ واسعٍ للنسخ، وسُمّي لاحقًا محرّك التركيب المتقدّم إذ صار يقود أيَّ خطٍّ عربيٍّ رقميّ.
وعرضُ ميلو لنموذجه صريحٌ في بيان الرهان: يقارب ACE الطباعةَ العربيّة على غرار صناعة النصّ قبل الطباعة. ويرمّز القواعدَ الإملائيّة التي تنتظم بها الحروفُ في تراكيب. وهو رفضٌ مدروسٌ للحرف المتحرّك نموذجًا لهذا الخطّ، رفضٌ صدر عمّن ذهبوا أوّلًا فدرسوا تراث المخطوط. ونال عليه جائزة بيتر كارو سنة 2009.
وقد وصل إلى المصمّمين العاملين باسم «تصميم»، وهو ملحق InDesign ME العربيّ الذي بنته DecoType مع WinSoft International التي نشرته. وهو، فيما أستطيع أن أتبيّن، أشدُّ أنظمة التركيب العربيّ وفاءً لبنية الخطّ.
وقد أوقفته WinSoft في نيسان 2021 — أوقفت المنتج، لا DecoType التي كان محرّكها هو الأساس تحته. آخر إصدارٍ لـ InDesign CC 2021. يُدعم العملاء القائمون إلى نهاية اشتراكاتهم، ولا مبيعاتٍ جديدة، ولا ترقياتٍ بعدُ. وموقع DecoType نفسه يُقرأ اليوم أرشيفًا؛ وأحدثُ ما فيه مؤرَّخًا محاضرةٌ من 2017.
وأحدُ من عملوا على ذلك الملحق ما زال في الميدان، وما يبيعه اليوم أوجزُ خلاصةٍ لما آل إليه الأمر. فنهاد تيسير ندَم، دمشقيُّ المولد مقيمٌ في دبي، شارك مع WinSoft سنة 2011 في تطوير أوّل برنامجٍ للخطّ العربيّ الرقميّ على الشبكة، إلى جانب «تصميم» نفسه. ويذكر عن نفسه أنّه عمل مع Adobe وWinSoft وDecoType في تقنيّات الحرف العربيّ. وهو اليوم يبيع ArabicDesign.ai، الذي يولّد خطًّا من نصٍّ عربيٍّ مكتوب في نحو خمسة عشر نمطًا ويصدّره متّجهات.
وتأمّل قائمة مزاياه بعناية. فهو يَعِد بأن يحفظ النصّ المطلوب حتّى 95%، وبأن يقلّل أخطاء الحروف والنقط الشائعة. أداةٌ عربيّةٌ مبنيّةٌ لهذا الغرض، من رجلٍ اشتغل داخل أشدّ المحرّكات العربيّة وفاءً للبنية، تمتنع عن أن تَعِد بأنّ الحروف ستخرج صحيحة. ومقالتُه في سبب الحاجة إليها تسمّي مواضع الخلل: حروفٌ غير صحيحة، ونقاطٌ في غير مكانها، وكلماتٌ متكسّرة — وهو الموضع الذي بدأت منه هذه المقالة.
ما الذي بين يدَي الحقل
فالتسلسل إذًا: قواعدُ الخطّ نُمذجت رسميًّا قبل أربعة عقود، وطُرحت تجاريًّا، ونالت جائزة — ثمّ سُحب سنة 2021 المنتجُ الوحيد الذي كان يكشف مدى المحرّك كلَّه للمصمّم. وفي المقابل، حين يقصد بحثٌ حديثٌ إلى توليد الخطّ العربيّ، فالأصلُ أن تُدرَّب عليه شبكةٌ توليديّةٌ تنافسيّةٌ من صوره: شبكتان، إحداهما تُنتج المرشَّحات والأخرى تحكم عليها، تتقاربان نحو خرْجٍ يشبه بيانات التدريب. وقد وجدت مراجعةٌ منهجيّة للأدبيّات تغطّي 2009 إلى 2024 تسعةَ عشر بحثًا، وأفادت بأنّ الشبكات التوليديّة التنافسيّة ومشتقّاتها هي المهيمنة. ونماذجُ الانتشار تكاد لا تظهر.
ويجدر أن نكون دقيقين في مقدار ضآلة ذلك. فمن التسعة عشر، لا يذكر جدولُ مناهج التوليد في المراجعة إلّا أربعة أبحاث: اثنان بـDCGAN، واثنان بـCycleGAN، وواحدٌ بالشبكة الأصليّة وVQ-GAN. وبحثٌ واحدٌ يتكرّر في صفّين لأنّه جرّب الاثنين. وجدولُ مناهج التقييم أقصر: أربعةُ أبحاثٍ قُوّمت بالحكم البشريّ، ودرجةُ FID واحدةٌ في الأدبيّات كلّها. وليست هذه مشكلةَ منهجٍ في حقلٍ بقدر ما هي حقلٌ لم يعمل فيه أحدٌ تقريبًا.
والمراجعةُ نفسها تُحصي مجموعات البيانات، وهي تفسّر كثيرًا.
فأدبيّاتُ التوليد إذًا متأخّرةٌ منهجيًّا بجيلٍ كاملٍ عن سائر تركيب الصور. تشتغل على بضعة آلاف صورة، وتحاول أن تكتشف من البِكسل بنيةً موجودةً سلفًا في مواصفة.
وليس الأمرُ أنّ أحدًا لا يرقمن هذه المادّة. فـIRCICA — معهدُ إسطنبول الذي يقيم مسابقة الخطّ العالميّة كلَّ ثلاث سنوات منذ 1986 — بنى تعرُّفَه الضوئيَّ الخاصَّ بالعثمانيّة سنة 2011، إذ لم يكن في المتاح ما يقرأ ذلك الخطّ. وقرابةُ مليونَي صفحةٍ عثمانيّةٍ ممسوحةٍ في مكتبة الفارابي الرقميّة. وOsmanlica.com يُبلغ عن دقّةٍ وسطيّةٍ تتجاوز 95% عبر مسارٍ يقرأ الصفحة، ثمّ ينقل الحروف، ثمّ يترجم إلى التركيّة الحديثة.
ولدى IRCICA أرشيفٌ خطّيٌّ أيضًا، فيه أربعةُ عقودٍ من الأعمال الفائزة في مسابقته. والتعرُّفُ الضوئيّ مصوَّبٌ إلى الأوراق الإداريّة. فقراءةُ الإدارة مسألةٌ محلولة؛ وأمّا قراءةُ الفنّ فلم يتصدَّ لها أحد.
حيث كُتبت القواعد، رمّزها أحد
والدليل فيما يجري في الجوار.
ازدهر الزخرفُ الهندسيّ الإسلاميّ حاسوبيًّا في العقد الأخير، لأنّ قواعده مكتوبةٌ وكانت كذلك دائمًا. فالكوفيّ المربّع — البنّائيّ، خطّ البنّائين، الذي يشبه فنّ البِكسل لأنّه صُنع من الآجُرّ فعلًا — يُولَّد بالأوتوماتا الخلويّة. وهي مطابقةٌ تكاد تكون أنيقةً أكثر من اللازم، إذ إنّ الخطّ حقًّا نظامُ قواعدَ على شبكة.
وللگِره نصيبُه من نظريّة المخطّطات. وفي حزيران نشر عُجيل ومحمود طريقةَ إتمامٍ بُني فيها تناظرُ الزخارف قيدًا. تُقيّم الحوافّ على شبكيّةٍ مرشّحة، فتُتِمّ الزخرفة كاملةً من هندسةِ تحكّمٍ متفرّقة. وهي تفعل ذلك في الهندسة وحدها، لا في الكتابة.
وتخطيطُ صفحة المصحف الحكايةُ نفسها بمقامٍ آخر. فالمصحف المدنيّ 604 صفحات، في كلّ صفحةٍ خمسةَ عشر سطرًا، ومواضعُ الكلمات في كلّ سطرٍ مثبَّتة. وهذا كلُّه موجودٌ جدولًا مضبوطًا باليد. لم يدرّب أحدٌ شيئًا. جلس أحدهم فرمّزه، لأنّ التخطيط قاعدة، والقواعدُ تُكتب.
وليس الأمرُ في الجوار وحده. فثمّة سوقٌ عاملةٌ لبرمجيّات الخطّ العربيّ، عمرها عقود، وكلُّ أداةٍ فيها تَعِدك بحروفٍ صحيحة تنالها من المصدر نفسه: خطوطٌ رسمها مصمّمو حروف، ويركّبها برنامجٌ يعرف قواعد الوصل. وKelk معيارُ المحترفين منذ سنين، وكذلك eMashq وKaleam وCalliPro.
أدوات ترمّز قواعد الخطّ
- Kelk
- النسخ والتعليق والثلث والديوانيّ خفيّه وجليّه والكوفيّ والرقعة والشكسته والمعلّى
- يرسمها مصمّمو حروفٍ، ويركّبها البرنامج
- eMashq
- الثلث والإجازة والديوانيّ والديوانيّ الجليّ والنسخ والتعليق والشكسته والرقعة
- يرسمها مصمّمو حروفٍ، ويركّبها البرنامج
- Kaleam
- الثلث والديوانيّ والفارسيّ وأنماطٌ تقليديّةٌ أخرى
- يرسمها مصمّمو حروفٍ، ويركّبها البرنامج
- CalliPro
- 21 خطًّا — ديوان نسخ مصحفيّ، وديوان ثلث، ووسيم، وكوفيّ
- يرسمها مصمّمو حروفٍ، ويركّبها البرنامج
أدوات تولّد الأشكال
- ArabicDesign.ai
- نحو خمسة عشر نمطًا، من نصٍّ مكتوب، ويصدّر متّجهات
- «يحفظ النصّ المطلوب حتّى 95%»، و«يقلّل» أخطاء الحروف والنقط الشائعة
قوائمُ الأنماط كما تعلنها كلُّ أداة. والصفُّ الأخير منقولٌ من قائمة مزاياه — وهو الوحيد من الخمسة الذي لا يناولك الحروف مناولة.
وذلك التحفّظُ، على غرابته، هو الطرفُ الأمين من هذه السوق. فقد مررتُ على المولّدات الأخرى — My Qalam AI، والمواقع المجّانيّة بلا تسجيل، وتلك التي تَعِد بثلثٍ «أصيل» في ثوانٍ — فلم أجد واحدًا منها يقول شيئًا عن الصحّة أصلًا. لا نسبةَ دقّة، ولا تنبيهًا إلى أنّ الحروف قد تخرج خطأً، ولا كلمةً تدعوك إلى مراجعة النصّ قبل طبعه. والأداةُ الوحيدة التي تعترف بأنّها قد تخطئ هي التي بناها من اشتغل داخل محرّكٍ لم يكن يخطئ.
والنمطُ الذي أعود إليه هو هذا: حيث تكون القواعد مكتوبةً سلفًا يرمّزها أحدٌ فتأتي النتائج جيّدة؛ وحيث لا تكون، فالأصلُ أن يُدرَّب على الصور ويُرجى الخير. ولا يبدو هذا فارقًا في صعوبة الفنّ.
الجزء الذي بقي غير مكتوب
وهنا يَرِد الاعتراض البديهيّ. إن كانت النسبُ قد دُوّنت في القرن العاشر، فلمَ لا يوجد ما يُدرَّب عليه؟
لأنّ المواصفة والحُكم شيئان مختلفان، ولم يُكتب منهما إلّا واحد. فنظامُ ابن مقلة يخبرك بقامة الألف. ولا يخبرك أيَّ المواضع المجازة تأخذ النقطةُ في هذا التركيب بعينه، ولا كم يجوز للكلمة أن تصعد قبل أن تفسد الكتلة، ولا لماذا تكون الضربةُ مضبوطةَ القياس وهي ميّتةٌ على الورق. وذلك القسمُ ينتقل بالإجازة، رخصةٍ يمنحها الشيخُ للتلميذ الذي أثبت تمكّنه، بسندٍ متّصلٍ إلى شيوخٍ مسمَّين. وليست ملفَّ أعمالٍ ولا شهادةَ إتمام. والذي يسري في ذلك السند هو التصحيح: ينظر الشيخُ إلى يد التلميذ فيقوّمها. فالحُكمُ ساكنٌ في التصحيح، والتصحيحُ لم يُدوَّن قطّ، لأنّه لم يحتج إلى ذلك قطّ. كان ثمّة إنسانٌ دائمًا.
وذلك قوّةٌ في التراث، وهو أيضًا سببُ انعدام المدوّنة. قرونٌ من الأحكام المتراكمة: في زاوية القلم، وفي حدود ما يجوز للنقطة أن تنتقل إليه، وفي أيّ الحروف يجوز تركيبه وبأيّ ترتيب. محفوظةٌ كلُّها في الأيدي، مُلقاةٌ في الغرف، وغائبةٌ كلَّ الغياب تقريبًا عن أيّ صورةٍ تقرؤها آلة.
وهل يمكن أن تُمنح آلةٌ إجازة؟ سؤالٌ طريف وليس هو المهمّ. المهمُّ أنّ هذا النصف لم يُكتب قطّ، فليس ثمّة ما يُدرَّب عليه إلّا العملُ المنجَز — والعملُ المنجَز هو الجزء الوحيد الذي لا يتضمّنه.
ما قد ينفع فعلًا
لا مزيدَ من الصور. بل الضربات.
Calliar، من مجتمع ARBML، هو المجموعة الوحيدة التي أعرفها وتعامل الخطَّ العربيَّ حركةً: 2500 جملةٍ خطّها أربعةُ كُتّابٍ بقلمٍ رقميّ، مسجّلةً متتالياتِ نقاطٍ مرتّبة، وموسومةً على مستوى الضربة والحرف والكلمة والجملة. وكلُّ مجموعةٍ أخرى في هذا الحقل تُناوِل النموذجَ صورةَ حبرٍ جافّ. أمّا Calliar فتُناوِله الحركة.
وثمّة تقنيّةٌ ناضجةٌ تنتظر هذا الشكل من البيانات بعينه. فقد بيّن غريفز سنة 2013 أنّ شبكةً تتنبّأ بمسارات القلم عبر خليطٍ غاوسيّ تستطيع أن تولّد كتابةً يدويّةً مقنعة، وأن تُمهَّد بحركات قلم كاتبٍ حقيقيّ فتكتب بيده. ويمتدّ الخيطُ إلى نماذج الحبر القائمة على المحوِّلات اليوم. ولم يُجرِ أحدٌ، فيما استطعت أن أجد، هذا المنهجَ على Calliar. وستٌّ وثلاثون ألفَ ضربةٍ للتدريب قليلةٌ على الأرجح. لكنّها الشكل الصحيح من القِلّة.
والطرف الفيزيائيّ أخلى. فللخطّ الصينيّ نماذجُ رياضيّةٌ للفرشاة — هندسةُ شعرٍ ثلاثيّة الأبعاد، وترسّبُ حبرٍ على امتداد المسار — وأذرعٌ آليّةٌ تقودها مسائلُ تحكّمٍ أمثل على تلك النماذج. وقلمُ القصب مقطوعٌ بزاويةٍ ثابتة: سنٌّ صُلبةٌ ذات حافّة تماسٍّ مستقيمة، وهي التي تُنتج منطقَ الغليظ والدقيق في كلّ نمطٍ كلاسيكيّ. فهو جسمٌ أبسطُ نمذجةً من فرشاةٍ ليّنة، وهندستُه هي قواعد الضربة كلّها. ولم أعثر على أحدٍ نمذجه.
وأقربُ ما وجدتُ مشروعٌ لا نظام. ففي حلقةٍ دراسيّة بجامعة برلين للفنون سنتَي 2021–2022، علّم سلام شكور ذراعًا صناعيّةً من طراز UR5 أن تكتب العربيّة. وأداتُه حاملُ قلمٍ مطبوعٌ ثلاثيَّ الأبعاد، وقلمٌ عريضُ السنّ ينوب عن القصبة، وخطٌّ عربيٌّ مبنيٌّ على الضربات صُمّم في Grasshopper. وكان الخطُّ مستوحًى صراحةً من مشروع هوفشتاتر Letter Spirit، مشروعِ التسعينيّات الذي حاول أن يولّد أبجديّةً كاملةً على نسقٍ واحد من حرفين أو ثلاثة بذورًا. وقد اشتغل على شبكةٍ من ستّةٍ وخمسين مقطعًا لا على لوحةٍ من البِكسل، لأنّ أصحابه رأوا أنّ العسير هو الجمع بين تشابهين في آنٍ واحد: ما يجعل الألفَ ألفًا، وما يجعلها بخطٍّ بعينه. أي أنّ الذراع تُقاد من خطٍّ رقميّ، على مساراتٍ حدّدها إنسان. حتّى الروبوت يجري على قواعدَ مكتوبة. ولا أحدَ يحاكي السنّ.
ويجدر أن نكون دقيقين في مقدار غياب العربيّة عن هذا. فعرضُ النصّ في الصور قد حُلّ إلى حدٍّ بعيد: Glyph-ByT5-v2 يعرض نصًّا صحيحًا في عشر لغات، ومعه معيارٌ يثبت ذلك. والعشرُ هي: الإنجليزيّة والصينيّة والفرنسيّة والألمانيّة والإسبانيّة والبرتغاليّة والإيطاليّة والروسيّة واليابانيّة والكوريّة. والعربيّةُ ليست في النموذج ولا في المعيار، فليس ثمّة رقمٌ أصلًا لتكون سيّئًا فيه.
وفي هذه الأثناء تبني المنطقة البنيةَ التحتيّة وتصطدم بالجدار نفسه. فقد صدر فَنار 2.0 القطريّ في آذار، وهو منظومةٌ عربيّةٌ في المقام الأوّل، جادّةٌ حقًّا، فيها نموذجُ صورٍ مبنيٌّ على FLUX ومدرَّبٌ على 480 ألف صورةٍ منتقاةٍ ثقافيًّا من اثنتين وعشرين دولةً عربيّة. ويسجّل 85.49 على مقياس الامتثال الثقافيّ في بطاقته. والبطاقةُ نفسها تقول، بعبارةٍ صريحة، إنّ عرض النصّ في الصور — والعربيّ خاصّة — ما زال عسيرًا. نموذجُ صورٍ عربيٌّ مبنيٌّ لهذا الغرض ولا يستطيع أن يكتب العربيّة. ونموذجُ الرؤية المرافق يذكر التعرّف على الخطّ في قائمة مزاياه. فقد افترقت القراءةُ عن الكتابة.
فيمَ ينفع اليوم
في التحويل إلى المتّجهات، ولا يكاد ينفع في سواه.
وتحويلُ قطعةٍ ممسوحةٍ إلى منحنيات كان دائمًا يعني تتبُّعها آليًّا ثمّ ترميمَ المواضع التي حوّل فيها المتتبِّعُ انسيابةً واثقةً إلى عشرِ نقاط ارتكازٍ ورجفة. وأدواتُ التحويل المتعلِّمة أفضلُ في ما يهمّ هنا حقًّا، وليس التغطيةَ بل اتّصالَ الانحناء: نعومةَ الضربة الواحدة، وهي أوّلُ ما تفحصه العينُ المدرَّبة، وتكاد تكون آخرَ ما يحفظه مسارُ معالجةٍ يعتمد العَتَبةَ والتتبّع. وثمّة طريقةٌ من 2025 تُبلغ عن تطابقٍ شبه تامٍّ وانحناءٍ أنعم من التتبّع الآليّ المعتاد في النسخ والرقعة والديوانيّ. وأنا أتعامل مع أرقامها بحذرٍ لمكان نشرها، لكنّ الاتّجاه غيرُ مستغرَب.
ولاحظ ما تتطلّبه تلك المهمّة: لا شيء. لا يحتاج النموذج أن يعرف العربيّة، ولا أيَّ نمطٍ ينظر إليه، ولا أنّ هذه العلامات كتابةٌ أصلًا. إنّه يتتبّع منحنيات. وهذا هو الشكل الصادق لما يقدّمه تعلّمُ الآلة اليوم لهذه الصنعة: نافعٌ حقيقيّ، وخارجٌ تمامًا عن الجزء الصعب.
وبقيّةُ الأمر جديرةٌ بأن تُقال صراحةً، فالأسواق اليوم ملأى بآياتٍ قرآنيّةٍ مولَّدةٍ تُباع فنَّ جدران، والآيةُ المشوَّهة ليست هَنَةً طباعيّة. فإن كان النصّ مقدّسًا فخذه من مصحفٍ موثَّق واضبطه بخطٍّ يعرف قواعد الكتابة. فالمولِّد لا يعرف ما كتب.
ما لم أستطع الحسم فيه
ليس شيءٌ ممّا سبق حجّةً على أنّ الأمر متعذّر. بل هو حجّةٌ، من رجلٍ ليس باحثًا في هذا الحقل ولا أستاذًا في هذه الصنعة، على أنّ الأمر يُؤتى من الطرف الخطأ. ولأن يُبيَّن لي خطئي في ذلك أحبُّ إليّ من أن أكون مصيبًا.
فبنيةُ الخطّ معلومة: أثبتت DecoType ذلك قبل عقود، ونموذجُها موثَّقٌ علنًا وإن ذهب المنتج. وقواعدُ الخطّ فوقها معلومةٌ أيضًا؛ غير أنّها محفوظةٌ في الناس لا في الملفّات. والمجموعاتُ التي تهمّ هي التي تسجّل اليدَ في حركتها. وواحدةٌ منها موجودةٌ بالفعل: صغيرةٌ ومفتوحة، ولا يكاد أحدٌ يستعملها.
والناقصُ ليس قدرةً حاسوبيّةً ولا سَعةَ نموذجٍ ولا حجمَ بيانات. فليس هذا ممّا يُصلحه المزيدُ من الموجود. الناقصُ سِجِلٌّ من نوعٍ آخر لم يصنعه أحد، لعلمٍ لم يحتج إليه قطّ، لأنّ طريقة نقله قامت كلُّها على الاستغناء عنه.
وقد جمعت «ترتيل» 67 ساعةً من التلاوة القرآنيّة من ألفٍ ومئتي متطوّعٍ في ستّة أشهر. فالمجتمع يبني المدوّنة إذا وجد من يحدّد له المطلوب. أمّا الخطّ فلم يحدّده له أحد.
وأشياءُ لم أستطع الحسم فيها، وأقبل التصحيح فيها كلِّها. هل جرّب أحدٌ منهاجَ توليد الضربات على Calliar ولم ينشر؟ وكم من نموذج DecoType موثَّقٌ توثيقًا يكفي لإعادة بنائه بعد أن ذهب المنتج؟ وهل ثمّة عملٌ في الخطّ العربيّ الآليّ بلغةٍ لا أقرؤها؟ فأدبيّاتُ روبوتات الفرشاة أكثرها صينيّة، وأنا بحثتُ بالإنجليزيّة والعربيّة وحدهما؟ ثمّ إلى أين تبلغ الأرقامُ المختلَف فيها: فالمصادر لا تتّفق حتّى على كم نقطةً تكون قامةُ الألف في الثلث، وهو موضعٌ غريبٌ أن تغمض فيه مواصفةٌ عمرها ألف سنة.
أمّا الذي أكاد أطمئنّ إليه فهو شكلُ المسألة. والنافذةُ ليست مفتوحةً إلى غير أجل. فالسلسلةُ التي تحمل هذا العلم تجري في أناسٍ أحياء، والذي في أيديهم هو التصحيح: التقويمُ الذي يُجرى على يدٍ في غرفة. ولم تتضمّنه صورةُ لوحةٍ منجَزةٍ قطّ. وكلُّ أرشيفٍ يُبنى اليوم أرشيفُ حبرٍ جافّ.
وما يستحقّ الحفظ هو ضربةُ القلم.